.....
بينما يئن الشارع المصري تحت وطأة ضغوط اقتصادية طاحنة غير مسبوقة، تُعيد المشاهد البرلمانية والسياسية الحالية طرح التساؤل الأكثر مرارة في تاريخ العمل الحزبي: أين ذهبت معارضة مصر التاريخية؟ كيف تحولت المنابر التي أسسها عمالقة الفكر والسياسة من مدارس لصناعة الوعي والبدائل، إلى كيانات باهتة تقتات على "فتات المقاعد" وتصوّت لصالح القرارات التي تزيد من أعباء المواطن؟
إن قراءة المشهد الحزبي الراهن تُشير إلى ما يمكن تسميته بـ "الانتحار الإستراتيجي" لأحزاب عريقة كالوفد والتجمع وغيرها، بعد أن بلعت طعم المقايضة، مضحية بأيديولوجيتها التاريخية مقابل حيازة "عظمة" ألقيت إليها في هندسة المشهد السياسي.
مقايضة الوجود بالدور
لم تكن عملية تدجين الأحزاب التاريخية وليدة الصدفة، بل جاءت نتاج خطة دقيقة وضعت هذه الكيانات أمام معادلة صفرية فرضتها لغة ما بعد عام 2013: إما الإغلاق الفعلي والمواجهة الأمنية والتجفيف المالي، وإما القبول بـ "البقاء الكرتوني".
فاختارت القيادات الحزبية، المنفصلة عن قواعدها، الخيار الثاني. قبلت أن تدخل تحت مظلة "القوائم المغلقة المجهزة سلفاً" والائتلافات المصنوعة في غرف الإدارة التنفيذية، مقابل ضمان بضعة مقاعد برلمانية تمنح قياداتها وجاهة اجتماعية وحصانة سياسية، لكنها جرّدت الحزب من مضمونه.
بيع "صك الشرعية"
الأخطر في هذه الصفقة ليس في خسارة المعارضة لمبادئها فحسب، بل في الثمن الذي قدمته في المقابل. لقد استخدمت السلطة تاريخ هذه الأحزاب كـ "ديكور خارجي" يُراد به الإيحاء بوجود تعددية سياسية وحياة برلمانية حيوية أمام الرأي العام الداخلي والدولي.
حزب الوفد، صاحب الإرث الليبرالي والدستوري العريق، وحزب التجمع، الحصن التاريخي لليسار والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال؛ باتا اليوم مجرد أصوات صدى تردد نفس سردية الحكومة، وتمرر القوانين والجباية دون مناقشة حقيقية، بل وتحولت منصاتها الإعلامية أحياناً للدفاع عن ذات السياسات التي أدت إلى سحق كرامة المواطن وتقزيم أحلامه.
النتيجة: الشارع وحيداً في مواجهة الفساد
هذا الانسحاب الطوعي للأحزاب من دورها الحقيقي كـ "صمام أمان" ومدافع عن هموم الشارع، أحدث فجوة مخيفة في البنية الاجتماعية. فلم يعد هناك "وسيط" عاقل يحلل الأزمات ويقدم البدائل للحاكم، أو يرفع صوت المحكوم بكرامة.
لقد أدى "بلع الطعم" إلى كفر جماعي لدى المواطنين بكل ما هو حزبي أو سياسي، وتحولت الأحزاب في نظر المواطن المطحون إلى "دكاكين انتخابية" تبيع وتشتري في المقاعد، وهو ما أتاح الفرصة لصعود "نواب الصدفة ورأس المال السياسي" الذين يفتقرون للحد الأدنى من الوعي والتأثير، مكرسين لحالة الفوضى العبثية التي تفتقر لأي نمو طبيعي.
خلاصة القول
إن التاريخ لا يرحم الكيانات التي تبيع إرثها مقابل مكاسب مؤقتة. إن جلوس ممثلي الأحزاب التاريخية تحت قبة البرلمان اليوم لا يعكس قوة هذه الأحزاب، بل يعكس مدى هوانها؛ حيث جرى استدراجها لتشارك —بصمتها أو بموافقتها— في تهميش الإنسان المصري وتحويله إلى شبه مواطن بلا خيارات.
لقد سقطت الأيديولوجيا في فخ المنفعة المادية المحضة، وبقيت اللافتات قائمة، لكن الروح السياسية غادرتها منذ زمن، تاركة الوطن يدور في حلقة مفرغة يعيد التاريخ فيها نفسه بصور أكثر قسوة وأعلى كلفة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق