.
تقرير : السيد المسلمى
.
مايو 2026
.
مقدمة
تثير التحركات العسكرية والتحالفات الأمنية لجمهورية مصر العربية في منطقتي الخليج العربي والقرن الإفريقي تساؤلات مستمرة حول الأبعاد الاستراتيجية والجدوى السياسية لهذه التحركات. يهدف هذا التقرير إلى تفكيك المفهوم العسكري المصري الحديث والمعروف بـ "دبلوماسية الدفاع المتقدم"، والتمييز بين المبالغات الإعلامية والمتداولة حول "القواعد العسكرية الخارجية" وبين الحقائق الواقعية التي تحكم العقيدة الدفاعية المصرية ومصالحها العليا.
أولاً: مفهوم "دبلوماسية الدفاع المتقدم" والأمن القومي الممتد
تستند العقيدة العسكرية المصرية تاريخياً وعملياً على مبدأ أن أمن مصر القومي لا يبدأ من حدودها السياسية الإدارية، بل يتشكل في دوائر نفوذ جيوسياسية حيوية.
وتنقسم هذه الدوائر إلى ثلاث جبهات رئيسية:
الدائرة العربية (الخليج والشام): ارتباط عضوي يجمع بين الأمن المشترك والاقتصاد.
الدائرة الإفريقية (حوض النيل والقرن الإفريقي): ترتبط مباشرة بالأمن المائي والعمق الاستراتيجي الجنوبي.
الدائرة البحرية (البحر الأحمر والمتوسط): تأمين خطوط الملاحة الدولية ومضيق باب المندب، وهو ما يمثل شريان الحياة الاقتصادي لحركة المرور عبر قناة السويس.
تعريف إستراتيجي: "الدفاع المتقدم" يعني مواجهة التهديدات وتحييدها في مناطق منشئها قبل أن تقترب من الحدود الوطنية، وتوظيف الأدوات الدبلوماسية المدعومة بالقوة العسكرية الصامتة لتحقيق الردع دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.
ثانياً: التواجد الخارجي.. قواعد عسكرية أم تسهيلات لوجستية؟
ثمة خلط شائع في القراءات غير المتخصصة بين "القواعد العسكرية المستقلة" وبين "التسهيلات العسكرية والبروتوكولات الأمنية".
1. الموقف الرسمي والعقائدي لمصر:
تلتزم الدولة المصرية بمبدأ سيادي ثابت يرفض إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، وبالمثل، لا تسعى مصر إلى فرض "قواعد عسكرية دائمة ومستقلة بالمعنى الكلاسيكي" في دول أخرى، لما في ذلك من كلفة مالية وسياسية باهظة، وتعارض مع السيادات الوطنية للدول المضيفة.
2. البديل الاستراتيجي (التمركزات والتسهيلات):
بدلاً من القواعد الدائمة، تعتمد الإدارة المصرية على صيغ قانونية وعسكرية مرنة تشمل:
بروتوكولات التعاون المشترك والتدريبات الدورية: (مثل مناورات "تبوك" و"زايد" و"حماة النيل") والتي تتيح تواجداً مؤقتاً ومستمر للقوات بغرض رفع الكفاءة والتنسيق المشترك.
التسهيلات اللوجستية: اتفاقيات تسمح للقطع البحرية والطائرات المقاتلة المصرية باستخدام الموانئ والمطارات العسكرية للدول الحليفة في حالات الطوارئ أو العمليات المشتركة لتأمين الملاحة.
البعثات الاستشارية ومراكز التدريب: مثل التواجد المصري الأخير في الصومال، والذي جاء بطلب رسمي من الحكومة الفيدرالية الصومالية لدعم بناء المؤسسات العسكرية الوطنية وتحت مظلة إقليمية، وليس كقاعدة اشتباك هجومية.
ثالثاً: تفنيد خريطة الانتشار والتمركزات
تشهد التقارير غير الرسمية مبالغات غير منطقية تدعي امتلاك مصر لعشرات القواعد العسكرية في دول مثل (تركيا، باكستان، دول الخليج، والشام). الواقع العسكري ينفي هذه الأرقام تماماً؛ حيث أن الجيوش الوطنية في تلك الدول لا تسمح بوجود قواعد أجنبية خارج إطار الأحلاف الدولية المباشرة. وما يُرصد في هذه الدول لا يتعدى كونه:
مكاتب تمثيل عسكري ملحقة بالسفارات.
قوات مشاركة في مناورات مجدولة بجدول زمني محدد.
لجان تصنيع عسكري وتنسيق أمني مشترك.
رابعاً: الدوافع الاستراتيجية.. لماذا يتحرك الجيش المصري في الخليج والبحر الأحمر؟
الإجابة على التساؤل حول جدوى المخاطرة بإرسال قوات أو مقاتلات إلى مناطق التوتر الإقليمي (كالخليج العربي) تتلخص في النقاط التالية:
المحور الاستراتيجي الهدف الحقيقي للتحرك المصري
معادلة الردع حماية الأمن العربي المشترك ليس عملاً تطوعياً، بل هو حماية لمصالح مصر الاقتصادية والسياسية. التواجد يهدف إلى الردع ومنع انفجار الأوضاع، وليس بدء الحروب.
تأمين المضايق المائية أي تهديد للملاحة في الخليج العربي أو مضيق باب المندب يترجم فوراً إلى خسائر اقتصادية فادحة في عوائد قناة السويس، لذا فإن الدفاع عن هذه الممرات هو دفاع عن الأمن القومي المباشر.
تحييد القوى الدولية تسعى مصر من خلال صفقات التسليح المتنوعة والتدريبات المشتركة مع القوى الكبرى (شرقاً وغرباً) إلى خلق شبكة مصالح مشتركة تجعل هذه الدول تحيد مواقفها أو تدعم الرؤية المصرية في أوقات الأزمات.
.
الخلاصة
إن السياسة الخارجية والدفاعية المصرية لم تتخلَّ عن ثوابتها في احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، إلا أنها طوّرت من أدواتها اللوجستية والعسكرية لتواكب التهديدات الإقليمية المتصاعدة. مصر لا تقيم إمبراطورية قواعد عسكرية في الخارج، ولكنها تبني "شبكة أمان لوجستية ودبلوماسية عسكرية" تضمن لجيشها القدرة على الحركة السريعة والمرونة العالية لحماية مصالحها الحيوية أينما كانت، وتحت مظلة شرعية وقانونية كاملة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق