.
"
:
بقلم: [السيد المسلمى ]
القدس المحتلة/واشنطن – تحليل سياسي
في مشهد جيوسياسي سريالي يعيد صياغة الشرق الأوسط، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد نجح في تحويل الأزمات الوجودية إلى فرص تاريخية لفرض رؤية اليمين المتطرف المتشدد. لم يعد الحديث عن "إسرائيل الكبرى" مجرد شعار ديني مهجور، بل تحول، بحسب معطيات عام 2026، إلى مخطط ميداني يتم تنفيذه بدقة نادرة، مستفيداً من تقاطع مصالح فريد مع إدارة دونالد ترامب الثانية، ومستخدماً "التهديد الإيراني" كستار دخاني كثيف يغطي على الحقائق الديموغرافية والجغرافية الجاري تغييرها على الأرض.
"تجنيد" ترامب: فن الصفقة والاحتواء الجيوسياسي
العقلية السياسية الإسرائيلية، التي يمثلها نتنياهو ببراعة، لم تتعامل مع دونالد ترامب كشخصية تحتاج إلى "إقناع" تقليدي، بل كقوة دافعة يمكن "توجيهها" نحو أهداف محددة عبر مدخلين رئيسيين:
الغرور والتاريخ: يدرك نتنياهو أن ترامب مهووس بترك بصمة تاريخية تتجاوز سلفه. عبر تصوير تدمير النفوذ الإيراني وإعادة ترسيم حدود المنطقة كـ "الصفقة النهائية" التي ستجلب "السلام" (من منظور القوة الأمريكية)، استطاعت إسرائيل استقطاب الاندفاع الأمريكي لخدمة أجندتها التوسعية.
الاعتمادية الأمنية: قدمت إسرائيل نفسها لترامب ليس كحليف يحتاج للحماية، بل كـ "المقاول الأمني" الوحيد الموثوق في المنطقة لضرب الخصوم دون توريط القوات الأمريكية في حروب برية واسعة، وهو ما يتوافق مع شعار "أمريكا أولاً".
إيران: "الذريعة الكبرى" لتجاوز الحدود
كانت العبقرية الاستراتيجية في هذا المخطط تكمن في تحويل "إيران" من تهديد عسكري إلى "سبب وجودي" لكل خطوة توسعية. تحت لافتة "الدفاع عن النفس ضد رأس الأفعى"، شرعت إسرائيل في:
خلق فراغ جيو-سياسي: عبر توجيه ضربات قاصمة لأذرع إيران في غزة ولبنان وسوريا (في الأعوام 2024-2026)، تم تدمير البنية التحتية والمجتمعية لهذه المناطق، مما مهد الطريق لفرض سيطرة إسرائيلية مباشرة (مناطق عازلة، أو ضم فعلي تحت مسمى الأمن).
تحويل الأنظار عن الضم: بينما انشغل العالم بمتابعة الهجمات المتبادلة بين تل أبيب وطهران، كانت الجرافات الإسرائيلية تعمل بصمت في الضفة الغربية، ويتم إعداد مخططات "إعادة تطوير غزة" (كما تظهر الصورة المعبرة بحجب الواقع الديموغرافي)، مما يعني ضمنياً تطبيقاً تدريجياً لمفهوم "إسرائيل الكبرى" عبر تقليص الوجود الفلسطيني.
صناعة "الحقيقة البديلة": نتنياهو وشعبه
السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كيف يقنع نتنياهو مجتمعاً يعاني من خسائر اقتصادية وبشرية فادحة بـ "غير الحقيقة"؟ الإجابة تكمن في آلة إعلامية سيكولوجية معقدة:
المصطلحات الوجودية: يحرص نتنياهو على تسمية الحروب بأسماء ذات دلالات دينية وخلاصية (مثل "حرب الانبعاث")، مصوراً الصراع ليس كخلاف سياسي بل كمعركة بقاء نهائية ضد "عقيدة التدمير" الإيرانية، مما يجعل أي تضحية تبدو ضرورية.
صناعة "الانتصار المتخيل": يتم تضخيم الاغتيالات النوعية وتدمير المنشآت العسكرية الإيرانية في الإعلام العبري لتغطية الفشل في تحقيق استقرار حقيقي أو استعادة الرهائن. يتم تقديم "الفعل العسكري" بحد ذاته كنصر، بغض النظر عن تكلفتها على المدى الطويل.
تخوين الواقعية: أي صوت يطالب بمواجهة الحقائق على الأرض (مثل الكلفة الاقتصادية أو العزلة الدولية) يتم وصمه بالخيانة أو الضعف، مما يخلق بيئة يفضل فيها الجمهور تصديق "الوهم القوي" على مواجهة "الحقيقة المؤلمة".
في الختام، تجسد الصورة الجيوسياسية لعام 2026 نجاح العقلية الإسرائيلية اليمينية في هندسة واقع جديد، حيث تم استخدام الاندفاع الأمريكي و"البعبع الإيراني" كأدوات لنحت خارطة "إسرائيل الكبرى" على حساب الحقائق التاريخية والديموغرافية، في عملية تلاعب بارعة بالرأي العام الداخلي والخارجي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق