وكالات – كتابات :
ما السبب الذي يدفع قادة سابقين لدول ديمقراطية للعمل مستشارين لدى دول دكتاتورية، بحسب الزعم الغربي، مثل كلٍّ من رئيس الوزراء البريطاني السابق؛ “توني بلير”، والمستشار الألماني؛ “غيرهارد شرودر”.
حول ذلك التساؤل؛ أعد كلٌّ من: “كيسي ميشيل”؛ الصحافي الاستقصائي، و”بنغامين شميت”؛ زميل أبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة “هارفارد”، تقريرًا نشرته مجلة (فورين بوليسي)، أوضحا فيه أنه في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، مع استمرار الجيش الروسي تهديداته بغزو آخر لـ”أوكرانيا”، ومضاعفة الرئيس الروسي؛ “فلاديمير بوتين”، أزمة “الغاز” الحالية في “الاتحاد الأوروبي”، ظهرت بعض الأخبار التي تُعبر عن إستراتيجية “موسكو” المتمثلة في تقويض ردٍّ موحدٍ عبر دول الـ (ناتو)، إذ رشحت شركة الطاقة العملاقة؛ “غازبروم”، التي يُسيطر عليها (الكرملين)؛ المستشار الألماني السابق؛ “غيرهارد شرودر”، لمنصب جديد في مجلس إدارة الشركة.
على الرغم من أن ليس واضحًا ما إذا كان “شرودر” سينضم إلى مجلس إدارة شركة “غازبروم”؛ حتى اجتماع المساهمين، في حزيران/يونيو المقبل، فإن هناك بعض الأمور الواضحة؛ أولًا: حتى لو لم يحصل “شرودر” على المنصب الجديد، فسيظل المستشار الألماني السابق رئيسًا لمجلس إدارة شركة النفط الروسية المملوكة للدولة؛ “روزنفت”، وكذلك رئيس لجنة المساهمين في “نورد ستريم إيه جي”، التي
تُسيطر عليها شركة “غازبروم”، وكلتاهما رحبت بـ”شرودر”.
ثانيًا: أي أمل في أن الأخلاق وحدها ستردع السياسيين الغربيين السابقين عن تجنب إبرام مختلف الشراكات مع المؤسسات الاستبدادية، مات ودُفن، وخلال زيارته لـ”واشنطن”؛ الأسبوع الماضي، سأل “جيك تابر”، مراسل (سي. إن. إن)، المستشار الألماني؛ “أولاف شولتز” – الذي ينتمي لـ”الحزب الديمقراطي الاجتماعي” الألماني؛ (SPD)، مثل “شرودر” – عن الرسالة التي تحملها مواقف سلفه، وبدلًا من إغتنام الفرصة للتنصل من تصرفات “شرودر” – وهي سابقة أرستها بالفعل المستشارة الألمانية؛ آنذاك، “أنغيلا ميركل”، في عام 2017 – كان أفضل ما استطاع “شولتز” النطق به مرتبكًا: “إنه لا يُمثل الحكومة، أنا المستشار الآن”.
لا يزال من الممكن ترشيح “شرودر” لشركة “غازبروم”؛ وسط التهديد الروسي الحالي، الذي يظهر أنه ما من حرج قد يعكس هذا الاتجاه في جميع أنحاء الغرب؛ لقد حان الوقت أخيرًا للحكومات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم للإنضمام معًا رسميًا وقانونيًّا لمنع القادة السابقين من إتباع مسار “شرودر”، والتحول إلى أدوات رمزية في انتشار الديكتاتورية الكليبتوقراطية في جميع أنحاء العالم.
“الشرودرية”.. مصطلح روسي جديد مستلهم من تجربة “شرودر”..
يؤكد الكاتبان أن “شرودر” كان مصدر إلهام للكلمة الروسية الجديدة: “Schröderizatsiya”، والتي تُشير إلى: “الزعيم الغربي السابق الذي يترك منصبه؛ ويتعامل مع الأنظمة الاستبدادية الكليبتوقراطية؛ ليؤكد مدى زيف إدعاءات التمسك بالقيم الديمقراطية”. وكما أشار وزير الخارجية الأوكراني السابق؛ “بافلو كليمكين”، أصبح “شرودر”: “أهم جماعة ضغط لبوتين في العالم”.
و”بوتين” يعرف ذلك، كما قال الزعيم الروسي ساخرًا؛ يوم الثلاثاء: “إذا كان المواطنون الألمان لا يُريدون دفع أربعة أو خمسة أضعاف ما يدفعونه مقابل الغاز، فينبغي أن يكونوا ممتنين للسيد شرودر”، وعلى الرغم من أن “شولتز” محق في أن “شرودر”: “لا يُمثل الحكومة الألمانية”، فإن هذا لا يعني أن المستشار السابق لم يُعد لديه صوت للتأثير على نهج الديمقراطيين الاشتراكيين تجاه “موسكو”. فكما كشفت (دير شبيغل)؛ الأسبوع الماضي، التقى “شرودر” بأعضاء بارزين في الحزب مؤخرًا لمناقشة سياسة الحزب تجاه “روسيا”.
ربما كان “شرودر” رائدًا؛ منذ سنوات، عندما أنضم إلى لجنة المساهمين في “نورد ستريم”، لكنه ليس بمفرده؛ إذ أدت خطوة “شرودر” ببساطة إلى حدوث تدافع من السياسيين الغربيين السابقين؛ الذين أدركوا كيف يمكن أن يكون الإرتباط بالأنظمة الاستبدادية مُربحًا.
لنلقي نظرة على مجموعة من القادة الأوروبيين السابقين الذين ساروا على خطى “شرودر”؛ فهناك رئيس الوزراء البريطاني السابق؛ “توني بلير”، الذي ترك منصبه وبدأ على الفور بالعمل لصالح ديكتاتور “كازاخستان” السابق، وهناك رئيس الوزراء الفرنسي السابق؛ “فرانسوا فيون”، الذي أنضم إلى مجلس إدارة شركة النفط المملوكة للدولة الروسية؛ “Zarubezhneft”، (زاروبيزهنفت)؛ في حزيران/يونيو الماضي، قبل أن ينضم أيضًا إلى مجلس إدارة شركة البتروكيماويات الروسية العملاقة؛ “Sibur”، (سيربور)، في أواخر كانون أول/ديسمبر، وفقًا لمجلة (بوليتيكو).
بالإضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى رئيس بولندي سابق، ورئيس وزراء فنلندي سابق، ومجموعة كاملة من المسؤولين النمساويين السابقين الذين استبدلوا جميعًا، وضعهم بوصفهم مسؤولين سابقين مقابل أعمال مُربحة مع الأنظمة الاستبدادية والمؤسسات التي تُعد وكلاء فعالين لتلك الأنظمة.
وبدلًا من متابعة دعمهم المُعلن للسياسات الديمقراطية، فإن هؤلاء المسؤولين السابقين يملؤون جيوبهم عن طيب خاطر بأمر من القوى الاستبدادية، بحسب التقرير، وفي بعض الحالات، مثل حالة “شرودر”، شنوا حملة ترويج نشطة بما يتماشى مع مسارات الدعاية الاستبدادية؛ وقبل أسابيع فقط، اتهم “شرودر”؛ “أوكرانيا” – وليس “روسيا” – بـ”دق طبول الحرب”؛ لأن غزوًا آخر بواسطة “موسكو” يلوح في الأفق.
الأميركيون يساعدون الروس.. والصينيون أيضًا..
ينوه الكاتبان أن هذا النوع من العمل ليس ظاهرة أوروبية فقط؛ ففي “الولايات المتحدة”، غادر “الحزب الجمهوري” القوي والمرشح الرئاسي السابق؛ “بوب دول”، المنصب وأصبح أحد أعضاء جماعات الضغط الرئيسيين المكلفين بإعادة ترميم سمعة الطبقة الحاكمة الروسية المعاقبة الآن، مما ساعد في انتعاش اللوبيات الأجنبية في “واشنطن”، واختار السيناتور الأميركي السابق والمرشح الديمقراطي لنائب الرئيس؛ “جو ليبرمان”، بالمثل استبدال أوراق اعتماده الديمقراطية بمنصب ضغط نيابة عن شركة الاتصالات الصينية؛ (ZTE)، على الرغم من المخاوف بشأن صلات الشركة بـ”الحزب الشيوعي الصيني”.
وقد كشفت (بوليتيكو)؛ الشهر الماضي، أن شركة “نورد ستريم” حصلت على خامس أكبر عقد للضغط في “واشنطن”؛ للربع الرابع من عام 2021، وهذا كشف مقلق، لأن شركة “نورد ستريم”؛ مملوكة لشركة “غازبروم”، التي يُسيطر عليها (الكرملين)؛ وهو مشروع يهدف إلى تقويض الأمن القومي لـ”أوكرانيا”؛ في الوقت الذي شكل فيه الجيش الروسي تهديدًا كبيرًا لسيادة “كييف”.
تأتي في المرتبة الثامنة في القائمة نفسها؛ “هواوي” للتكنولوجيا “يو. إس. إيه”، التي تم الإبلاغ عن أن لشركتها الأم “هواوي” علاقات وثيقة مع “بكين”؛ ويُعد هذا النوع من التقارير بمثابة جرس إنذار للأميركيين المهتمين بمدى تأثير الكيانات المرتبطة بالأنظمة الاستبدادية؛ مثل: “روسيا والصين”، في صنع القرار في “واشنطن”.
يُشير التقرير إلى أنه من الجيد عدم اختيار أي رئيس أميركي سابق إتباع مسار “شرودر”؛ إذ أبتعد الرئيسان السابقان؛ “باراك أوباما” و”جورج دبليو بوش”، عن أي تعاقدات أجنبية بمقابل مادي بعد فترة توليهما “البيت الأبيض”، وعلى الرغم من استمرار المخاوف من تضخم ثروة الرئيس السابق؛ “دونالد ترامب”، وتدفق الأموال الأجنبية إلى “مؤسسة كلينتون”، لم يشغل “ترامب” ولا “بيل كلينتون” مقعدًا في مجلس إدارة أي مؤسسة استبدادية مملوكة للدولة.
ويُشير التقرير إلى مقالٍ أعده أحد كاتبيه؛ “بينغامين شميت”، جاء فيه: “تخيل لو كان؛ جورج دبليو بوش أو باراك أوباما، يعملان حاليًا نيابة عن (هواوي) الصينية؛ لن تكون هذه مجرد القضية السياسية الرئيسة في واشنطن، بل ستكون الوحيدة”؛ وفي سياق التدقيق المتزايد على جماعات الضغط الأجنبي في “الولايات المتحدة”؛ في السنوات الأخيرة، ساعد هذا النوع من الضغط الاجتماعي؛ حتى الآن، في إبعاد قادة “الولايات المتحدة” السابقين عن الأمر.
لكن يستدرك الكاتبان أن الضغط الاجتماعي لم يظهر بعد بين الناخبين الأوروبيين، في حين قوبلت تصرفات: “شرودر وبلير وفيلون” بالذعر والعصبية، تحول عمل الزعماء الغربيين السابقين لدى أنظمة استبدادية؛ الآن، إلى طوفان، وبدون أي تصعيد سياسي حقيقي من الناخبين الأوروبيين ضدهم، تنخفض التكلفة السياسية على المسؤولين السابقين الذين سيتبعون مسار “شرودر”.
كل هذا يُشير في اتجاه واحد واضح: ولت أيام أن يُردع العار المسؤولين السابقين عن أن يُصبحوا أتباعًا للحكام المستبدين، ومع استمرار صعود الأنظمة الكليبتوقراطية – ومع إدراك مدى مسؤولية الغرب في صعود وترسيخ هذه الأنظمة – فقد حان الوقت للغرب كي يتحد لمنع القادة السابقين من الإنضمام لتمثيل الدول الاستبدادية أو الشركات ذات الصلة المملوكة للدولة بعد تركهم مناصبهم، بحسب التقرير.
عقبات منع السياسيين الغربيين من دعم الأنظمة الدكتاتورية..
يرى الكاتبان أن الحديث عن صياغة السياسات وإصدارها أسهل بكثير من الفعل؛ وإذا أجري على نحو صحيح، فسوف يستغرق وقتًا، وحتى لو ما زال يُعد هذا الأمر ممارسة قانونية في الولايات القضائية الغربية، يمكن “للشرودرية” تقويض ثقة الجمهور بسرعة في إلتزام القادة الغربيين بالوقوف في وجه الدول الاستبدادية مثل: “روسيا والصين” على المدى الطويل، وإذا حدث هذا، فلن يكون تآكل المرونة الديمقراطية الغربية في مواجهة التهديدات الاستبدادية بعيدًا.
وهذا هو السبب في أن الخطوة الأولى نحو الحظر النهائي لهذا النوع من التحول لا يمكن أن يكون تشريعيًّا، بل يجب أن يكون بيانًا بسيطًا يُعبر عن حسن النوايا، على سبيل المثال، يمكن لـ”الولايات المتحدة” و”الاتحاد الأوروبي” إصدار بيان مشترك على الفور تتعهد فيه بالعمل نحو إجراءات ومعايير تشريعية متزامنة.
مثل هذا البيان الأولي لا يحتاج إلى أن يكون معقدًا في البداية، يمكن أن يكون إعلانًا بسيطًا بوجوب انتهاء ممارسة المسؤولين السابقين الذين يعملون لدى الأنظمة الاستبدادية أو وكلائهم بعد تركهم مناصبهم، وسيظل مسموحًا لهذه الشخصيات بالعمل في اللوبيات أو مستشارين أو في مناصب تجارية أخرى، لكن عملاءهم لا يمكن أن يكون لهم صلات بالأنظمة التي توافد عليها “شرودر” وأمثاله، لن يكون لبيان مشترك بهذا المعنى أي قوة قانونية، لكنه سيُشير إلى وضع معيار جديد.
بعد ذلك؛ يمكن لعجلات الحل التشريعي أن تبدأ أخيرًا في الدوران، ستكون هذه عملية أطول، مع مخاوف مشروعة حول كل شيء؛ من حالة العقود الحالية إلى تصنيف الأنظمة الاستبدادية والكيانات التي تعمل لحسابها بالوكالة، بحسب التقرير؛ ويُشدد الكاتبان على أن عملية تحديد الأنظمة الكليبتوقراطية أو الاستبدادية والكيانات الوكيلة يجب أن تكون دقيقة؛ إذ يجب وضع معايير مدروسة جيدًا لأنواع الفساد الإستراتيجي أو الإجراءات السياسية القمعية التي قد تؤدي إلى مثل هذا التصنيف.
لكن التصنيف والتقييم من هذا النوع لم يُسمع بهما في سياق “الولايات المتحدة”، وتشمل الأمثلة ضم “الكونغرس”: “روسيا وإيران وكوريا الشمالية”، في “قانون مكافحة أعداء أميركا”، من خلال العقوبات لعام 2017، والأمر التنفيذي الصادر في آيار/مايو 2020، الذي يوجه “وزارة الطاقة” الأميركية بحظر: “الوكالات الفيدرالية والأشخاص الأميركيين من الحصول على أو نقل أو تثبيت معدات نظام الطاقة السائبة، التي يكون لأي دولة أجنبية أو مواطن أجنبي أي مصلحة فيها وتشكل الصفقة خطرًا غير مقبول على الأمن القومي”.

يُضيف التقرير: “مثلما رأينا في كل شيء بدءًا من متطلبات شفافية جماعات الضغط الأجنبي إلى سجلات ملكية الشركات الوهمية، يمكن للشركاء عبر الأطلسي التعاون، وتتبع أفضل الممارسات للتأكد من أن كل التشريعات فعالة ومحكمة كما ينبغي”؛ ويُعد الزخم الأخير المحيط بلوائح جماعات الضغط الأجنبي في الولايات المتحدة، وأماكن أخرى مفيد؛ فعندما أصدرت الولايات المتحدة قانون تسجيل الوكلاء الأجانب؛ (فارا)، لأول مرة في عام 1938، الذي يُطالب أولئك الذين يعملون نيابة عن الحكومات الأجنبية بالتسجيل لدى وزارة العدل، افترض المشرعون الذين يقفون وراء التشريع أن مستوى معينًا من الخجل سيمنع الأميركيين من العمل لدى الأنظمة (الخبيثة)”.
وكما كتب الصحافي الاستقصائي؛ “كين سيلفرشتاين”: “يبدو أن الفكرة وراء قانون تسجيل الوكلاء الأجانب هي أنه مع الحاجة إلى الإفصاح، سيجد أعضاء جماعات الضغط أنه من المُحرج للغاية التعامل مع العملاء غير الأخلاقيين أو الفاسدين بصورةٍ فجة، بغض النظر عن مقدار الأموال التي عُرضت عليهم”، ولكن يبدو هذا الإعتقاد الطموح ساذجًا بشكل يُرثى له في سياق ما يحدث اليوم.
ظل قانون تسجيل الوكلاء الأجانب حبرًا على ورقٍ لعقود، وبلغ الأمر ذروته في موجة من حملات الضغط الأجنبية غير المسجلة في السنوات الأخيرة؛ ومع ذلك، فقد أظهرت السنوات القليلة الماضية مدى فاعلية التطبيق الفعلي للقانون؛ فمع زيادة الموارد، والتسارع المفاجيء للتحقيقات الجديدة، والمعدل غير المسبوق للملاحقات القضائية ذات الصلة، تلقى قانون (فارا) دفعة جديدة، وهناك العديد من الأفكار الإضافية التي يمكن طرحها، بدءًا من التفويض الذي يقضي بإمكانية حجب معاشات ومزايا الحكومة عن القادة السابقين ما لم يستقيلوا من مناصبهم البغيضة.
لا يزال قانون (فارا) يُسمح للأميركيين بالعمل مع أي أنظمة ووكلاء يرغبون فيها، مما يعني أن النماذج التشريعية الجديدة لكبح “الشرودرية” ستحتاج إلى دراسة متأنية؛ لكن الدروس المستفادة من قانون (فارا) واضحة: إذا قدمت تشريعًا يحد من العمل نيابةً عن الأنظمة الاستبدادية ووكلائها، يمكنك في الواقع النجاح فيما لن ينجح فيه المجتمع وحده، وبالنظر إلى التحديات الاستبدادية المتزايدة التي تواجه الديمقراطيات الليبرالية على مستوى العالم اليوم، فإن هذا لن يحدث قريبًا، حسبما يختم التقرير.
ترجمة: عبدالرحمن النجار