المصدر: معاريف
الكاتب: يوسي هدار
وصف وزير الدفاع الإيطالي جويدو كروستو، هذا الأسبوع، وبشكل دقيق، الوضع البائس والمُقلق والخطِر الذي تعيشه إسرائيل منذ بداية ولاية حكومة نتنياهو الأخيرة، حين قال: "يجب إنقاذ شعب إسرائيل من حكومته." صحيح أن كروستو كان يشير إلى إصرار الحكومة على مواصلة الحرب في غزة، لكن يبدو كأن النقد ينطبق أيضاً على الفشل الكامل في إدارة حرب السابع من أكتوبر، وعلى محاولة الانقلاب على النظام التي استمرت طوال الوقت، حتى في أثناء الحرب، ومن دون أدنى شعور بالخجل. إذا كان هناك ما يميز حكومة الكوابيس التي يقودها نتنياهو أكثر من أي شيء آخر، فهو موت الخجل. فالكلمة لا تغيب فقط عن معجم القيم لدى هذه الحكومة، بل إن نتنياهو، في خطاباته الآلية والمصطنعة والمليئة بالأكاذيب، يبدو كأنه فقدَ أي إحساس بالخجل.
المقولة التي صاغها وزير الخارجية الأميركي الأسبق كيسنجر، ومفادها بأن إسرائيل لا تمتلك سياسة خارجية، بل سياسة داخلية فقط، قام نتنياهو بتطويرها، بحيث أصبحت الآن "ليس لإسرائيل، لا سياسة خارجية، ولا سياسة داخلية أيضاً". في الواقع، ليس لديها أي سياسة على الإطلاق، فكل شيء يدور حول نزوات الزعيم الأعلى السياسية والشخصية، وكلها مجرد مناورة سياسية، في الوقت الذي تهاجم الحكومة، من دون خجل، كل مؤسسة في الديمقراطية الإسرائيلية، وتهدد بتدميرها.
إن الهجوم الدوري، المنفلت من كل قيد، والخالي من أي خجل، موجَّه هذه المرة ضد رئيس الأركان الذي عُيّن مؤخراً، إيال زامير. لقد فتحت الانتقادات المهنية التي وجّهها إلى خطة الحكومة بشأن احتلال غزة أبواب آلة السموم ضده، إذ زعم "مسؤول سياسي رفيع" أنه إذا لم تكن قرارات الكابينيت مناسِبة لرئيس الأركان، فيمكنه الاستقالة. وسخر نجل من يُشتبه في أنه ذلك المسؤول السياسي الرفيع من رئيس الأركان، واتّهمه بقيادة تمرُّد ومحاولة انقلاب. وإن لم يكن هذا كافياً، فإن وزير الدفاع يفتعل مواجهة أُخرى مع رئيس الأركان، على خلفية جولة تعيينات في الجيش، ويرفض إدخال قائد الجيش إلى مكتبه.
فالهجمات الدنيئة على الجيش، التي بدأت فعلاً في السابع من أكتوبر، تنضم بطبيعة الحال إلى محاولة استيلاء الحكومة على جهاز الشرطة، وهناك مَن يدّعي أن الشرطة سقطت فعلاً. كما أن جهاز الشاباك يقع، هو الآخر، في مرمى نيران الحكومة، فبعد سيل الإهانات التي وُجهت إلى رئيس الشاباك السابق رونين بار، شرعت الحكومة في خطوة إضافية من شأنها الإضرار بالطابع المؤسساتي للجهاز، عبر محاولة تعيين اللواء دافيد زيني رئيساً للشاباك بإجراء غير سليم.
وهكذا، فإن إصرار نتنياهو على مواصلة حرب أبدية في غزة، بدلاً من السعي منذ البداية لصفقة شاملة تعيد جميع الأسرى، ثم العودة إلى معالجة حركة "حماس" بعد ذلك، يحجب محاولة الانقلاب على النظام التي تستمر طوال الوقت. إن طريق تحويل إسرائيل إلى ديكتاتورية تمرّ عبر غزة. صحيح أن الهجوم التشريعي الأولي الذي قاده الوزير ليفين قد أُحبط في معظمه، إلّا إن الحكومة تواصل باستمرار محاولاتها لتقويض جهاز القضاء، بحيث تتمكن من إقامة حُكم استبدادي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
كما أن إقالة المستشارة القضائية، حتى لو أحبطتها المحكمة العليا في الوقت الراهن، فمن دون شك، عززت التأثير المجمّد في جهاز القضاء. الوزير ليفين يصف غالي بهراف – ميارا بأنها "المستشارة السابقة". وهو ووزراء آخرون، بمن فيهم رئيس الحكومة، لا يعترفون بصلاحية رئيس المحكمة العليا، القاضي يتسحاق عميت. والوزير كَراعي، أمر موظفي وزارته، خلافاً لقرار المحكمة العليا، بعدم التعاون مع المستشارة القضائية. حتى إن الأمر الموقت الذي أصدره نائب رئيس المحكمة العليا، القاضي نوعام سولبرغ، ضد إقالة بهراف –ميارا، لم يترك أي أثر فيه، وبلغ الأمر بالوزير ليفين أن استبدل أقفال المكتب المشترك، بحيث لم تتمكن المستشارة القضائية من دخوله.
وهكذا، فإن ما كان يبدو كأنه أزمة دستورية، ويُصدر أصوات أزمة دستورية، أصبح أزمة دستورية فعلاً. غير أن المعارضة لا تزال تغطّ في نومها العميق، فوفقاً لرؤيتها، إن الخط الأحمر لمعركة يوم الحساب هو عصيان قرارات المحكمة العليا، لكنها لا تدرك أن هذا الخط قد تم تجاوزه فعلياً، حتى وإن لم يكن ذلك بشكل معلن، وفي هذه الأثناء، يسقط مزيد ومزيد من الحصون، في الطريق إلى تحويل إسرائيل إلى حكم استبدادي يتخفى وراء ستار الديمقراطية.
الحجة الزائفة التي تروّجها الحكومة لقاعدتها الشعبية في طريقها نحو الديكتاتورية هي: نحن الشعب، ونحن الذين تم انتخابنا، لكنها نسيت أن الديمقراطية تفرض قيوداً على السلطة، وأن ما يقوم عليه جوهر الديمقراطية هو، أولاً وقبل كل شيء، حريات الفرد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق