25‏/08‏/2020

من يموّل سد النهضة؟

 عمال يباشرون العمل على سد النهضة الإثيوبي

إن الأشخاص العاديين يبنون مشروعًا غير عادي.

— سيميجنو بيكيلي ، مهندس بناء إثيوبي يعمل في السد .

في أبريل من عام 2011، وفي خضم الثورة المصرية، أعلنت إثيوبيا عن شروعها في بناء سد النهضة الكبير في منطقة بني شنقول بالقرب من الحدود السودانية.


مشروع جريء بلغ ارتفاعه 558 قدمًا، وبتكلفة قُدرت بـ4.8 مليار دولار- أي نحو 7 % من الناتج القومي الإجمالي الإثيوبي لعام 2016، وبجهد نحو ثمانية آلاف وخمسمئة عامل في إحدى أكثر الدول فقرًا على مستوى العالم.


تعرض المشروع منذ الإعلان عنه لكثير من التحديات التي أرادت إعاقة استكماله، في ظل حالة من الافتقار إلى التمويل الدولي للمشاريع على نهر النيل الأزرق منذ فترة طويلة، نتيجة الجهود المصرية المستمرة للحفاظ على حصتها في مياه النيل.


لكن تلك الظروف لم تمنع الحكومة الإثيوبية من الاستمرار فيه، بل تمكنت في يوليو من العام الجاري من إنجاز نحو 73% منه، ومن المتوقع أن تكتمل أعمال ما قبل التوليد بحلول ديسمبر 2020 ويتوقع الانتهاء من المشروع بحلول عام 2022.


ما ساعد إثيوبيا في ذلك، هو اتباعها «نهجًا مبتكرًا» كما وصفه خبراء التنمية في تمويل المشروع، إذ اعتمدت في تمويله رغم ظروفها المادية العثرة على عدة مصادر داخلية وخارجية كي تتمكن من استكماله وإيقافه على قدميه.


مصادر التمويل الداخلية

في خطوة غير عادية، اتخذتها إثيوبيا رغبة منها في إضفاء صفة القومية على المشروع وإثبات قدرتها على الوقوف في وجه التحديات المالية، اتجهت إثيوبيا إلى التمويل الذاتي للسد عبر حشد مجموعة من المصادر الداخلية، والتي تمثلت-وفق ما هو مُعلن- في: [1]


1. قروض البنك الإثيوبي

تمثل المصارف الإثيوبية أحد مصادر التمويل الداخلية، إذ تتولى البنوك تقديم قروض منخفضة الفائدة للحكومة بنحو 27% عن قيمة القروض التي تقدمها للأفراد والشركات.


تلك الممارسة وفقًا لصندوق الدولي، كان من شأنها أن تبطىء النمو الاقتصادي للدولة، لكن ذلك لم يكن ضمن اعتبارات الحكومة خاصة وأنها تنظر إلى السد على أنه سيكون سببًا رئيسيًا في إنعاش الاقتصاد الإثيوبي وتعويض ما تم إنفاقه في تمويله، وذلك عبر توليده لنحو ستة آلاف ميجاوات من الكهرباء تكفي الاستهلاك المحلي والتصدير.


2. السندات

يعد السند طريقة لزيادة رأس المال من خلال الوعد بعائد مع وقت انتظار أطول نسبيًا، وهو ما اعتمدت عليه الحكومة الإثيوبية كمصدر رئيسي لتمويل المشروع.


وذلك عبر تقديمها في الخامس عشر من ديسمبر لعام 2017، مجموعة متنوعة من السندات تبدأ من فئة 25 بر، ودون حد أقصى، وذلك بقيمة تتراوح بين 0.9 إلى 36 ألف دولار أمريكي، وبفائدة تقدر بـ5.5% للاستحقاق حتى خمس سنوات و6% للفترات الأطول.


ويُصدار السند من قبل بنك التنمية الإثيوبي، ووكلاء آخرين مفوضين، وتستخدام اللوحات الإعلانية الوطنية والعروض الموسيقية ذات الصلة لزيادة تعبئة وجمع الأموال للسد لإضفاء صفة القومية على المشروع وتشجيع المواطنين على المشاركة فيه.


3. جمع اليانصيب ورواتب موظفي الخدمة المدنية

اعتمدت الحكومة الإثيوبية على نظام اليانصيب القائم على الرسائل النصية عبر الهواتف المحمولة والمتربط بمكافآت كمنازل أو سيارات أو مبالغ كبيرة من المال، كمصدر تمويل مهم في رأس المال المطلوب لبناء السد.


علاوة على استغلالها الأحداث الرياضية لجمع الأموال من عامة الناس، ودفع موظفي الخدمة المدنية للمساهمة بجزء من رواتبهم في بناء السد.


ووفقًا لتقرير صادر عن معهد بروكينجز، فإن العديد من موظفي الحكومة قد تعرضوا لضغوط هائلة لشراء السندات المطروحة من قبل الدولة، وأنه على الرغم من ارتفاع تكلفة السندات، فإن العديد من موظفي الحكومة قاموا بشرائها اضطراريًا، فضلاً عن ترويج الدولة لكون المشاركة في هذا المشروع دليل إثبات وطنيتهم ورفض ذلك بالطبع سيكون خيانة!


المصادر الخارجية للتمويل

لم تكتفِ إثيوبيا بالاعتماد على مصادر التمويل الداخلية، بل دعمها في تمويل وبناء وإدارة المشروع عدة مصادر خارجية أخرى، أهمها:


1. الصندوق الصيني والشركات الصينية

سهّل رأس المال الصيني وصعود الصين كقوة دولية من مسألة تحقيق الشراكة الاستراتيجية بينها وبين الدول الأفريقية وغيرها من البلدان النامية، فقد باتت الصين مصدرًا للتمويل البديل للمشاريع من حيث الترويج للقروض التي تمنحها باعتبارها غير مشروطة بأي قضايا داخلية كسوء الإدارة وحقوق الإنسان أو الفساد.


وبخصوص قضية سد النهضة، فإن الصين تستثمر بكثافة في إثيوبيا في الفترة الحالية، ووفقًا لبيانات القروض الصادرة عن مبادرة أبحاث أفريقيا الصينية في جامعة «جونز هوبكنز الأمريكية»، فإن إثيوبيا قد تلقت من الصين في عام 2017 نحو 652 مليون دولار في شكل قروض.


وبينما لا تمول الصين تكاليف بناء السد على نحو مباشر، إلا أنها قامت بجلب الشركات الصينية إلى إثيوبيا وإشراكها في معظم أعمال البناء، معتمدةً على الخبرة الصينية في قطاع الطاقة الكهرومائية.


وعليه، مُنحت الشركات الصينية عقودًا تستهدف التسريع من خطى المشروع بقيمة 40.1 مليون دولار، كما تم منح شركتي «جيزوبا جروب» و«فويث هيدرو» عقودًا بقيمة 112مليون دولار.


ورغم عدم مشاركة الصين بشكل مباشر في الإقراض لبناء السد ذاته، فإنها قدمت تمويلاً كبيراً في عام 2013 قُدر بنحو 1.2 مليار دولار لبناء خطوط الكهرباء والبنية التحتية ذات الصلة التي تستهدف إيصال الكهرباء في نهاية المطاف إلى البلدان المجاورة.


كما قامت شركة « ستيت جريد» الصينية بتشييد خط النقل عالي الجهد لنقل الطاقة بتكلف قُدرت بنحو مليار دولار، وهو ما تم اكتماله في أغسطس 2017.


وفي أبريل من عام 2019، قامت كل من إثيوبيا والصين بتوقيع اتفاقية بقيمة 1.8 مليار دولار لتمويل خطوط نقل وتوزيع الطاقة الكهربائية، إضافة إلى بناء الخط الثاني للسكك الحديدية بين أديس أبابا وجيبوتي الثاني ومدن مختلفة في الدولة.


2. الشتات الإثيوبي

يتمتع الشتات الإثيوبي في أمريكا الشمالية وأوروبا وأستراليا والشرق الأوسط وبلدان أخرى بإمكانيات كبيرة للمساهمة في تنمية إثيوبيا، وذلك عبر إمدادها بالمهارات الإدارية والتقنية التي تحتاجها الدولة وكذلك التمويل اللازم للمشروعات. الأمر الذي حاولت الحكومة الإثيوبية استغلاله لدعمها في تمويل بناء السد.


في البداية، تمكنت الحكومة من بيع سندات بقيمة 5.8 مليون دولار لنحو 3100 إثيوبي بالخارج. غير أن محاولات بيع المزيد من السندات للمغتربين أثارت المعارضين لسياسات الحكومة، كما تم رفع دعوى قضائية على قانونية بيع تلك السندات.


فضلاً عن ذلك، فإن لجنة الولايات المتحدة للأوراق المالية وجدت أن تلك الممارسة غير قانونية، لذا قامت بتغريم الشركة الإثيوبية للكهرباء بحوالي 6.5 مليون دولار.


لكن ذلك لم يمنع استمرار الحكومة في بيع السندات للمغتربين، حتى أنه بحلول عام 2016 تم بيع سندات للمغتربين بقيمة 38 مليون دولار أمريكي، جاء نحو 40% منها من المغتربين في الشرق الأوسط، فيما بلغت مشاركة المغتربين من أوروبا وأفريقيا وأمريكا الشمالية نحو 20% لكل منهما، بإجمالي مشاركات ثلاثة ملايين مواطن إثيوبي من الشتات.


3. البنك الدولي

في الوقت الذي ينفي فيه البنك الدولي أي صلة له بتمويل سد النهضة، فإنه يمول خط نقل عالي الجهد بقوة 500 كيلوفولت وألفي ميجاواط، وكذلك يمول مشروع الطريق السريع الكهربائي الشرقي من إثيوبيا إلى كينيا.


فضلاً عن تمويله لتمديد الشبكة الذي يعد جزءًا من مجمع الطاقة في شرق إفريقيا، إذ خصص البنك الدولي نحو 230 مليون دولار أمريكي لأجل تمويل مشروع التمديد. الأمر الذي يستفيد منه بصفة غير مباشرة مشروع سد النهضة.


4. شركات أجنبية مرموقة

لم تكن الشركات الصينية وحدها من نجحت في نيل نصيبها من العقود المربحة في سد النهضة، فقد سعت الحكومة الإثيوبية لاستجلاب الدعم الدولي لمشروع السد عبر منحها عقودًا لكثير من الشركات الأجنبية الكبرى.


ففي مارس 2011، مُنحت شركة «ساليني كوستروتوري» الإيطالية-بدون مناقصة تنافسية-عقدًا بقيمة 4.8 مليار دولار من أجل إنشاء السد، وهي ذات الشركة التي تقوم ببناء سد جيب الثالث المثير للجدل على نهر أومو الإثيوبي، وقامت بمنح شركة «تراتوس» عقدًا لتوفير كابلات منخفضة وعالية الجهد للمشروع.


كذلك، فإن عملاق الإنشاءات الإيطالي «وي بيلد»، ساليني إمبريجيلو سابقًا، يتولى تنفيذ أعمال الإنشاءات الرئيسية لسد النهضة، كما تولّت من قبل أعمال الإنشاءات في سد جايب 3، كذلك ارتبطت الشركة بعقد مع الحكومة الإثيوبية منذ عام 2016 لبناء سد «كيوشا» على نهر أومو.


إضافة إلى العقد الذي مُنح لشركة ألستوم الفرنسية بقيمة 250مليون يورو أي ما يعادل 326 مليون دولار في يناير عام 2013، من أجل توريد ثمانية توربينات ومولدات فرانسيس بقدرة 375 ميجاوات للمرحلة الأولى من مشروع «جراند رينيسانس» للطاقة الكهرومائية.


وكجزء من ذلك العقد، فإن شركة ألستوم تقدم خدمات الهندسة وتشغيل محطات الكهرباء، وتساعدها شركة تراكتيبل في التفاوض والإدارة والإشراف على البناء، وكذلك في الدخول في مفاوضات مع حكومتي السودان ومصر.


فيما تعمل شركة «فويث هيدرو» الألمانية الشهيرة، المتخصصة في مجال التوربينات والمحركات الهيدروليكية، على توريد التوربينات اللازمة للسد بالشراكة مع شركة ألستوم الفرنسية، التي تعمل هي الأخرى في مشروعات السد بموجب عقد مشترك مع شركة «جنرال إلكتريك» الأمريكية العملاقة.


إجمالاً، نجحت إثيوبيا عبر اتباعها نهجًا غير تقليدي في التمويل في إتمام ثلاثة أرباع مشروع سد النهضة، عبر لجوئها إلى عدة مصادر داخلية وخارجية للتمويل جعلتها قادرة على التصدي للمعوقات المالية التي لطالما عطلت المشروع.

سهير الشربينى

مصر الفاطمية: عندما بدأ المصريون يتحدثون العربية

 

صحن مسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة


تبدو الإجابة عن سؤال: متى تحولت مصر إلى الإسلام واللسان العربي؟ ترتبط بداهة في المخيلة الجمعية للمصريين المعاصرين بتاريخ فتح الصحابي عمرو بن العاص للبلاد في عام 21 هـ/ 642 م. إلا أن حقيقة تعرض مصر للفتح والغزو عدة مرات على مدار تاريخها، دون أن تغير لغتها ودينها خلال أي تجربة من تجارب الفتح والغزو تلك، يدفعنا لإعادة النظر في توقيت تمام تشكل ملامح هذا التحول التاريخي العميق، الذي لم يتحقق على إثر فتح بن العاص لمصر مباشرة.


في كتابه «عندما أصبحت مصر عربية إسلامية» الذي صدرت طبعته الأولى عام 1997 عن دار الشروق في القاهرة، يضع الكاتب والمفكر الإسلامي الراحل د.محمد عمارة يده على تلك اللحظات المفصلية التاريخية في تحول مصر إلى العروبة وإلى الإسلام. ويحدد عمارة توقيت هذا التحول بالعصر الفاطمي، الذي بلغت خلاله حركة التعريب ذروتها، على نحو حدا بالكنيسة القبطية لتغيير لغة كتب العبادة والصلوات إلى العربية كي يفهمها المصلون.


فما هي أهم ملامح ذلك العهد الذي شهد ذلك التحول التاريخي الكبير لمصر في دينها السائد ولغة أهلها المحكية بأفراحه وأتراحه بحسب ما يروي لنا د.عمارة؟


مصر خلال العصر الفاطمي

يسجل الرحالة الفارسي ناصر خسرو (المتوفى عام 453 هـ)، الذي زار القاهرة ومكث فيها ثلاث سنوات، صورة لنا عن حياة الغنى والترف التي شهدتها المدينة، قبل وقوع الشدة المستنصرية سنة 1066، ويذكر في هذا الإطار أن القاهرة وحدها احتوت على 20 ألف حانوت، كانت مملوكة جميعها للخليفة الفاطمي، ويستأجرها الناس منه بمقابل يصل أحيانًا إلى 10 دنانير في الشهر الواحد.


يقول خسرو إن المنازل التي كان يملكها الخليفة الفاطمي في مصر، بلغت عدتها نحو 8 آلاف منزل، كان يؤجرها للناس، والغريب أنه يذكر أن بعض تلك المنازل كان متعدد الطوابق ويبلغ عدد طوابق بعضها 14 طابقًا، ولا ندري في الحقيقة هذه مبالغة منه في هذا السياق أم لا.


يحدثنا خسرو أيضًا عن تعداد سكان العاصمة، ويذكر أن تعدادهم بلغ نصف مليون من الأنفس، وعن سعة البيوت التي كانت يسع بعضها مائتي ساكن، وعن الحدائق والمتنزهات، وأسطح القصور التي زرعت بالأشجار، حتى تحول بعضها إلى متنزهات على درجة عظيمة من الجمال. ويقول كذلك، أنه لم يستطع حصر قدر ثروة البلاد، وأنه لم يسبق له رؤية تلك النعمة في بلد آخر.


كان أحد مظاهر التقدم الصناعي في العهد الفاطمي، هو حوض صناعة السفن، الذي بناه الخليفة المعز على النيل في منطقة تدعى «المقس» بالقرب من حي الأزبكية الآن. فضلًا كذلك عن صناعة النسيج التي ازدهرت بسبب ترف وفخامة الحياة الفاطمية، وكثرة أعياد الفاطميين واحتفالاتهم ومراسيمهم. هذا إلى جانب التقدم العمراني الواسع في ذلك العهد.


أما على المستوى العلمي والفكري، فشهدت مصر في العهد الفاطمي إنشاء جامع الأزهر، الذي بدأ كمسجد جامع للمدينة الجديدة التي أسسها جوهر الصقلي، ثم تحول إلى مدرسة علمية اضطلعت بدور عقائدي وفكري مهم لنشر فقه ومذهب الفاطميين في مصر، وشهدت البلاد كذلك تأسيس دار الحكمة في عام 395 هـ خلال عهد الحاكم بأمر الله، كأكاديمية علمية عنت بالكثير من العلوم الدينية والطبيعية مثل علم الفلك والطب.


 كما ازدهرت حركة نسخ المؤلفات وانتشرت الكتب والمكتبات، ويذكر عمارة في هذا السياق أن مكتبة القصر الفاطمي وُجد فيها، عندما سيطر صلاح الدين الأيوبي على البلاد، بعد أن نُهب منها الكثير زمن الشدة المستنصرية،  2,600,0000 كتاب، وذلك في مكتبة واحدة فقط، ناهيك عما احتوته دار الحكمة وغيرها.


على الصعيد الاجتماعي قسم المقريزي طبقات المجتمع المصري في العهد الفاطمي على النحو التالي:


1. أهل الدولة من أصحاب المناصب وكبار العسكريين


2. أهل الغنى من التجار والملاك


3. أصحاب الحوانيت من البزازين (بائعي الأقمشة) المشتغلون بالأعمال التجارية المتوسطة و أصحاب الحرف المختلفة.


4. الفلاحون من أهل الزراعة والحرث من سكان القرى والريف.


5. الفقراء وهم بحسب المقريزي طلاب العلم وكثير من الفقهاء إلى جانب معظم الجند.


بناء الدولة الفاطمية

يقول د.عمارة إنه على الرغم من مبدأ الشورى في الإسلام، فإن نظام الحكم في الدولة الفاطمية كان به الكثير من قسمات النظام الملكي القائم على الوراثة والاستبداد، وإن نظرية الإمامة التي تبناها الشيعة الفاطميون، تمثل تجسيدًا واضحًا لنظرية «الحق الإلهي» الشهيرة التي كانت سائدة في أوروبا في القرون الوسطى.


إلا أنه يستدرك على تلك الحقيقة، بأن ترامي أطراف الدولة، واتساع المهام الداخلية والخارجية، لعب دوره في الحد من الفردية المطلقة في الحكم، وفرض تسلسل وظيفي، وبناء سياسي وإداري معقد ومتشابك، ضم العديد من الدواوين (الوزارات والمؤسسات بالمفهوم المعاصر) كان من أبرزها: ديوان الإنشاء والمكاتبات، ديوان الجيش والرواتب، ديوان الشرطة، ديوان الأوقاف، هذا فضلًا عن ديوان للصعيد وآخر للوجه البحري وديوان للثغور.


في هذا السياق تعددت المناصب الإدارية والسياسية، وكان من أبرزها مناصب: قاضي القضاة، وداعي الدعاة، والمحتسب الذي كان له ولاية النظر والتدخل في الكثير من الشئون التجارية والاجتماعية، هذا فضلًا عن العمال أو الولاة على الأقاليم المختلفة.


 على الصعيد العسكري كانت بنية الجيش الفاطمي تنقسم إلى عدة طبقات ومراتب وهم: الأمراء، حرس الخليفة، وطوائف الجند المختلفة، وكان يطلق على قائد الجيش آنذاك لقب «الإسفهسلار» وهو ملقب مكون من مقطعين، المقطع الأول (إسفه) من اللغة الفارسية ومعناه المقدم، والثاني (سلار) من اللغة التركية ويعني العسكر، فهو إذن مقدم العسكر أي قائد الجيش.


وقد كان قوام طوائف الجند التي اعتمد عليها الفاطميون، يستند إلى قبائل مغاربية متعددة مثل «كتامة» و«زويلة» و«معمورة»، بالإضافة إلى الأجناد من الروم و الترك والديلم والسودانيون.


حسب رواية المقريزي، بلغ تعداد الجيش الفاطمي، زمن «الوزير» طلائع بن رزيك، 76,000 جندي، من بينهم 40 ألفًا من الفرسان، هذا غير القوة البحرية التي بلغت في بعض الأحيان 100 مركب بحري خاص بالقتال والجيش.


المجاعات والمظالم الاجتماعية

رغم مظاهر البذخ والترف في القاهرة الفاطمية التي أشرنا إليها آنفًا، لم تكن الثروة والغنى مبذولة لجميع الناس في الحقيقة، بل كانت حكرًا لقلة من المجتمع، بينما كانت الشدائد والمحن والفاقة والبؤس هي نصيب الأغلبية الساحقة من المصريين كما يقول عمارة.


في هذا السياق كان الملتزم أو القابل أو الضامن الذي يحصل على امتياز الخراج، بمثابة صورة من نموذج الأمير الإقطاعي في أوروبا، الذي له مطلق الصلاحيات في منطقته، وكان هؤلاء في المقابل هم أداة الحاكم في جباية الضرائب وفرض المكوس، التي تسببت في تحول حياة الطبقات الأفقر إلى سلسلة شبة متصلة من الأزمات والمجاعات.


وقد كانت قسوة وثقل أحمال النظام الضرائبي، في مقدمة الأسباب التي  أدت تكرار موجات الغلاء، التي أدت إلى بدورها انتشار المجاعات، التي ارتبطت هي الأخرى بدورها بانتشار الأوبئة التي حصدت خلقًا كثيرين، حتى عجز الأحياء في بعض الأحيان عن دفن الأموات، وباتوا يطرحونهم عوضًا عن ذلك في النيل. 


على إثر تلك المظالم الاجتماعية، اندلعت الكثير من أعمال التمرد والثورة والشغب، كما جرى في «تنيس» (مدينة تاريخية في منطقة بحيرة المنزلة بشمال الدلتا) عام 360 هـ، التي وثب أهلها على واليهم الفاطمي فقتلوه، وكما جرى في العام الذي يليه في صعيد مصر الذي شهد تمرد رفع رايات العباسيين ضد السلطة الفاطمية، وكما جرى في عام 362 على يد الصيارفة الذين احتجوا على عزل المحتسب الفاطمي سليمان بن عزة جماعة منهم. هذا فضلًا عن اندلاع الكثير من المواجهات وأعمال العنف والاحتراب الأهلي  بين القبائل المغاربية التي جاءت مع الفاطميين والمصريين في العديد من المناسبات.


كانت سلسلة المجاعات الرهيبة التي عرفتها البلاد في عهد الخليفة المستنصر (427، 487 هـ)، إيذانًا ببدء زوال الدولة الفاطمية، وكان أشهر تلك المجاعات، المجاعة الكبرى التي عرفت باسم «الشدة المستنصرية» التي بدأت بنقصان مياه نهر النيل، صاحبه انتشار لوباء شديد الفتك بالناس، كل هذا في ظل اختلال ضعف للسلطة والملك، مما أدى إلى فتن وصراعات وموجة غلاء تاريخية في الأسعار.


حيث بلغ سعر رغيف الخبز خلال الشدة المستنصرية، في زقاق القناديل بمدينة الفسطاط  15 دينارًا، وبلغ سعر أدرب القمح 80 دينارًا، وبدأ الناس في ذبح الماشية التي نجت من الوباء فأكلوها، ثم ذبحوا الخيل والبغال والحمير، ثم ذبحوا القطط والكلاب، وصارت تباع على ندرتها كطعام للمأكل، وبلغ الأمر بالناس إلى حد أكل لحوم بعضهم البعض، وتكاد الحكايات التي تروي في هذا الإطار أن تفوق الخيال من فرط مأساويتها.


وقد أدت الشدة المستنصرية بالخليفة إلى استدعاء قائده العسكري (أرمني الأصل) بدر الدين الجمالي من عكا، وقلده الوزارة لكي يعيد الأمن إلى ربوع البلاد، والقضاء على أعمال التمرد، فقتل من قبيلة لواته الأمازيغية وحدها نحو 50 ألف متمرد، وهزم العربان المتمردين في البوادي.


بزوغ السلطنة الأيوبية

بعد أن أفقدت المجاعات الداخلية الكثير من مضمون الحكم الفاطمي، وأبقت على شكله الخارجي بانتقال السلطة الحقيقة إلى الوزراء، أنهى الخطر الصليبي بتداعياته على مصر والشام على ما تبقى من هذا الحكم، الذي اضطر إلى الاستعانة بالسلاجقة السنة في الشام، وتقليد أحدهم وهو أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين الأيوبي منصب الوزارة.


بعد وفاة شيركوه وتولي صلاح الدين الأيوبي الوزارة بعده، كان رد فعل الأخير على المكائد التي شعر أنها تحاك حوله بسبب الاختلاف المذهبي والإثني بينه هو وجنوده الأتراك السلاجقة وبين المجتمع الشيعي العربي في مصر؛ هو التمهيد لإزالة الحكم الفاطمي الشيعي وتقويض دعائمة، عبر إقامة المدارس السنية الشافعية والمالكية، وعزل القضاة الشيعة وتولية قضاة شافعية محلهم.


بعد ذلك استطاع صلاح الدين أن يقيم الخطبة للخليفة العباسي في الإسكندرية أولاً ثم في الفسطاط ثم في القاهرة قبل أسبوع من وفاة الخليفة الفاطمي العاضد، الذي قيل إنه امتص سمًا كان قد وضعه تحت فص خاتمه، بعد علمه بقطع الخطبة له، وبهذا الحدث المأساوي انقضت صفحة كاملة من تاريخ مصر بأحزانها وأفراحها، وبدأت صفحة جديدة من المقاومة للغزو الصليبي للمشرق الإسلامي، تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي الذي وحد مصر والشام تحت سلطنته الجديدة واستعاد القدس عام 583 هـ، وتمكن من تفكيك أبرز الإمارات اللاتينية الصليبية في المنطقة. 

معا لحل تنظيم الإخوان المسلمين (1)

 معا لحل تنظيم الإخوان المسلمين (1)

أيمن عبد الرحيم

في ثمانينات القرن الـ20، كانت صناعة السيارات اليابانية مثار حسد العالم. لقد مثلت الشركات اليابانية، مثل تويوتا وهوندا، صورة مصغرة لمفهوم الشركات الحديثة التي تحقق أقصى استفادة ممكنة مما لديها من موارد، ولم يكن الصرح الصناعي الذي ينتج سيارات تويوتا وشاحناتها عبارة عن شركة واحدة؛ بل كان في الواقع مجموعة مكونة من نحو 200 شركة يجمعها اهتمامها المشترك بإمداد شركة تويوتا بكل شيء؛ بدءًا من المكونات الإلكترونية وصولًا إلى أغطية المقاعد، لكن يجمعها ما يُعرَف بـ«نظام إنتاج تويوتا».


ما يجعل هذا النظام فريدًا حقا هو الالتزام الشديد بتطبيقه داخل مجموعة تويوتا. فالشركات في المجموعة -بما في ذلك الشركات التي يتنافس بعضها مع بعض للعمل مع تويوتا- تتعاون إلى حد يكاد يبدو معارضًا لمصالحها، فتتبادل الموظفين فيما بينها باستمرار، وتتشارك الملكية الفكرية، ويعاون بعضها بعضًا على حساب ما لديها من وقت وموارد.


كل ذلك دون الحاجة لعقود رسمية أو الاحتفاظ بسجلات مفصلة. وتتبع هذه الشركات نهجًا، في العديد من النواحي؛ أشبه بالإخوة وليس الشركات، باذلةً أقصى ما لديها من جهد لتحظى باستحسان شركة تويوتا، التي تراقبها عن كثب كما لو كانت أٌمًّا تحرص على التوافق بين الجميع مثلما تهتم بالأداء.


تويوتا – آيسون

من أهم الشركات المكونة لمجموعة تويوتا وأكثرها موثوقية شركة «آيسين سيكي». صارت آيسين شركة مستقلة، بعد أن كانت جزءًا من شركة تويوتا نفسها في الأساس، وذلك عام 1949م، لينصب تركيزها بالتحديد على صناعة مكونات الفرامل.


تنتج آيسين بالتحديد فئة من المعدات تُعرَف باسم الصمامات بي. وعلى الرغم من أن الصمامات بي، التي لا يتجاوز حجمها حجم علبة السجائر؛ ليست بالأمر المعقد على الإطلاق، لكن نظرا لدورها المحوري للغاية في مسألة الأمان، لابد من تصنيعها بدقة، ومن ثم فهي تُنتَج في منشآت عالية التخصص باستخدام مقاييس ومثاقب مصممة خصيصًا لهذا الغرض.


ونظرًا لما تمتعت به شركة آيسين من تاريخ مشرف من حيث الأداء، صارت بحلول عام 1997م المورد الوحيد للصمامات (بي) لشركة تويوتا، ولأسباب تتعلق بالكفاءة اختارت شركة آيسين إقامة خطوط إنتاجها للصمامات (بي) في مصنع واحد؛ المصنع رقم 1 في مدينة كاريا.


في الصباح الباكر ليوم السبت الأول من فبراير/ شباط عام 1997م، اشتعلت النيران بمصنع كاريا وسوَّته بالأرض! حدث الأمر على نحو مباغت. بحلول الساعة التاسعة صباح ذلك اليوم، دُمِّرت جميع خطوط إنتاج الصمامات (بي)، وفي غضون ما لا يزيد عن خمس ساعات، تلاشت السعة الإنتاجية لشركة آيسين تمامًا، وتطلب إحياؤها شهورًا.


شهورًا! كانت تويوتا تصنِّع آنذاك ما يزيد عن 15 ألف سيارة يوميًا بنحو 30 خط إنتاج، لكن بحلول يوم الأبعاء 5 فبراير/ شباط توقف الإنتاج تمامًا، ليسفر ذلك عن تعطل ليس فقط مصانع تويوتا نفسها، بل أيضا المنشآت والعاملين بالكثير من الشركات التي قام عملها على إمداد تويوتا بمستلزماتها.


خيَّم الصمت على أضخم المصانع بجميع أرجاء منطقة تشوكيو الصناعية، مع سقوط مجموعة تويوتا المنيعة جراء انهيار إحدى لبناتها الأساسية! إلا أن ما تلا ذلك لم يقلَّ في تأثيره عن الكارثة نفسها. ففي استجابة منسقة تنسيقًا مذهلا من أكثر من الـ200 شركة، ودون إشراف مباشر يُذكر من أيٍّ من آيسين أو تويوتا!


أُعيد إنتاج ما يزيد عن 100 نوع من الصمامات (بي) في غضون ثلاثة أيام بعد الحريق! وما إن حلَّ يوم الخميس الموافق 6 فبراير/ شباط، حتى أُعيد فتح اثنين من مصانع تويوتا. ويوم الاثنين التالي، أي بعد ما يزيد عن الأسبوع بقليل من وقوع الكارثة، عاد الإنتاج لقرابة 14 ألف سيارة يوميًا، وبعد ذلك بأسبوع عاد الحجم اليومي للإنتاج إلى مستواه قبل الكارثة.


خلفت أزمة تويوتا-آيسين التاريخية كما هائلا من التساؤلات عند متخصصي علم الشبكات؛ وخاصة الأسئلة المتعلقة بالأنظمة المعقدة، وإمكانية انهيارها المفاجئ. الأمل في وجود أنظمة ذاتية المعالجة بدون إدارة مركزية! أو بقدر ضئيل من التحكم المركزي، معيدة في نفس الوقت مناقشة فرضية «أن البنى التنظيمية القائمة على التسلسل الهرمي» أمر مفروغ منه للوصول لأي نتائج فعالة.


سواء كان ذلك الوصول في صورة مؤسسات الدول الحديثة أو الشركات، أو التنظيمات البشرية بشكلٍ عام، خاصة مع وجود أصوات مشككة في هذه الفرضية داعية إلى الحل السحري لـ«بيور وسابيل» المعروف بـ«التخصص المرن»، حيث يقوم العمل على فرق منظمة تنظيمًا مرنًا من العاملين ذوي المهارات العالية، حيث يمكنهم إعادة مزج مهاراتهم المتخصصة على نحو سريع ومتكرر، لسهولة التعامل مع المهام المطلوبة والمفاجئة!


الدول .. الأحزاب .. الشركات

في كل عصر من العصور تسود قناعة راسخة حول قضية أو مجموعة من القضايا. فالمجتمعات التي تعيش على وجه الأرض الآن، تؤمن بأنه لا يوجد أي تصور لأي نظام سياسي غير صورة الدولة القومية الحديثة، ولا ممارسة اقتصادية بغير شكل الشركات، ولا مقاومة سياسية بغير حزب سياسي، أو تنظيم – علنيًا كان أو سريًا.


ومع اختلاف النطاقات السابقة (الدولة/الشركة/الحزب/التنظيم)، إلا أن المشترك الجامع بين هذه الصور هي بنيتها التنظيمية الهرمية الصلبة! وليست التيارات الإسلامية بدعًا من دون الناس في ذلك. فجميع التصورات الإسلامية ما بعد الاستعمارية، وهي جميعًا بنت الحداثة -التقليدية منها والراديكالية- تؤمن بشكلٍ أو بآخر بهذه القناعات السابقة وتمارسها، أو تسعى لممارستها.


وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان في حالة التيارات الحركية؛ مثل جماعة الإخوان المسلمين ومن شابههم، وكذلك في حالة التيارات الجهادية -في ظنّي-، وفي كثير من التصورات السلفية الممارسة للعمل الحزبي بالفعل، والتيارات الدعوية؛ مثل جماعة التبليغ والدعوة، أو حتى الطرق الصوفية ذات التقليد الهرمي الموغل في القدم.


لكن الصورة الأكثر غموضًا هي تصورات المؤسسات التقليدية (مثل الأزهر في مصر)، والسلفية السلطانية (أو المخابراتية) مثل التيار المدخلي. فهي وإن مارست الرفض النظري -ذا الأصل الشرعي- للتصور الحزبي والتنظيمي، ولكنها تقبله بصورة أكثر فجاجة في تقبلها لصورة الدولة القومية الحديثة ذاتها، وما ينبثق عنها من جميع البنى التنظيمية ذات الهياكل الهرمية.


لذا فهي لديها تحفظ على اتجاه الممارسة (أي كونه مع الدولة أم ضد الدولة)، لكنها بشكلٍ غير واعٍ تقبل أصل الممارسة؛ وهذا الأصل هو ضرورية ولزومية البنية التنظيمية الهرمية كشكلٍ وحيد للحصول على أي نتيجة منظمة.


والمبرر الأكبر، والحجة المشتركة، وكلمة السر في ذلك الإجماع هي «الفاعلية». فحتى لو بدأنا سلسلة الاستدلال النظري من منطلقات شرعية؛ فلا بد أن ننتهي إلى جملة (بما أن… إذن:…) الهندسية. فمن أجل تحقيق جميع الأهداف الشرعية سابقة الذكر في أي استدلال بشكلٍ فعال، إذن يجب بناء تنظيم هرمي لتحقيق هذا الهدف (السياسي، أو الاقتصادي، أو الشرعي الدعوي، أو المقاوم…إلخ).


والحق أن المطلوب على الحقيقة هو النظام، وليس صورة التنظيم (ذات البنية الهرمية)، ومن أجل مناقشة هذه الحقيقة البسيطة كُتب هذا المقال.


في البدء كان التنظيم!

ظلت ثنائية الصلاحية والذاتية هي معضلة المسلمين المعاصرين. ففي الوقت الذي يؤمن فيه المسلم المعاصر بصلاحية الإسلام في ذاته، إلا أنه لا يستطيع الإجابة على استشكال الفاعلية، الذي ما فتئ الغرب يستذله به في صورة المعضلة التي لا تنتهي.


إن كان صالحًا في ذاته (الإسلام)، فلماذا هو غير فعال وناجح؟ وإن كنا لسنا صالحين (غير المسلمين)، فلماذا نحن فاعلون؟!


ومن باب مبدأ «تعلم ولو من عدوك»، أخذ المسلم منذ نهايات القرن الـ18 الميلادي، تحت ضغط هذه المعضلة، يحاول استنساخ جميع ما هو فعال عند عدوه، من وجهة نظره، لعله يحصِّل هذه الفاعلية السحرية، بدءًا من بنية الدولة الحديثة الفاعلة والضابطة لجميع مناحي الحياة، مرورًا بأنظمة الجندية والعسكرية، والبنية القانونية الصارمة (ولو عن طريق تقنين الشريعة ذاتها).


كذلك التخطيط العمراني للمدن والشوارع، والضبط البراني للزي المدرسي، وطرق إدارة المؤسسات والشركات، وكذا بنية الأحزاب السياسية المقاومة، والتنظيمات السرية المناضلة دون أن يلحظ في عملية الاستنساخ الآنفة، أنه اضطر إلى شيء بسيط وعارض في جميع هذه الصور. وهو تغيير تكوين الوحدة البنائية الصغرى لجميع هذه الأنظمة وهي: الإنسان.


مفاهيمه، مناهجه التعليمية، منظومته الأخلاقية، أهدافه النهائية والغائية – إن كانت ثمة هناك أهداف. ففي الوقت الذي كانت جميع هذه النظم في السابق تتطلب تكوين إنسان -سواء كان حاكمًا/ جنديًا/ قاضيًا/ فقيهًا/ مهندسًا/ معلمًا/ تاجرًا/ سياسيًا/ مجاهدًا/ داعيًا- يغلب عليه الاجتهاد والإبداع في ضوء قواعد، وضوابط عامة يعلمها القاصي والداني بشكلٍ أفقي داخل المجتمع، حيث الأهداف الغائية للمجتمع مشاع مبذول لكل أحد داخل المجتمع المسلم.


فيغلب عليه الاجتهاد السياسي، والفقهي، والقضائي، والابتكار العلمي، والتشقيق المتواصل للعلوم، والابتكار المؤسسي المتواصل في صورة أفكار مؤسسات الوقف الأهلي التي لا تنضب، وحرية الجهاد والدعوة. استُبدِلَ ذلك كله بعد عملية الاستنساخ هذه إلى الفرد الترس شديد التخصص عالي الكفاءة، لكن في تنفيذ ما يُطلب منه ممن فوقه داخل البنية الهرمية داخل جميع البنى المجتلبة في حالةٍ من الجندية أو العسكرة العامة!


والحق يقال أن جماعة مثل جماعة الإخوان المسلمين منذ النشأة، هي تجمعٌ لأفراد هم جميعًا أبناء أحد الأنظمة المستنسخة السابقة، سواء الأنظمة التعليمة الإنجليزية المبنية على أساس عسكري، أو أنظمة الجندية والعسكرية المجتلبة، دون التقليل من أثر بنية الطرق الصوفية الهرمية في الصورة الأولى للجماعة.


الجماعة قبل نشأة التنظيم

هناك أمر لافت للنظر فيما يتعلق بالمذاهب -الفكرية منها والفقهية- والجماعات، وهو أن مؤسسيها في أول الأمر يغلب عليهم الاجتهاد والإبداع، مع توفر إمكانية مراجعة المنطلقات والأفكار والاعتذار عنها، بل وتبديلها بالكلية في كثير من الأحيان.


فنجد جميع أئمة المذاهب يدلُّون أصحابهم وأتباعهم على الاجتهاد، وعدم الوقوف على أقوالهم، وأن يجتهدوا كما اجتهدوا، بل يمكن أن يغير إمام المذهب مذهبه بالكلية، وهو على قيد الحياة! ثم يخلف من بعده أجيالٌ تقل فيهم الإبداعية والاجتهاد، وتطغى عليهم روح التقليد – ولو بنية حسنة.


فنكون بذلك على أعتاب ميلاد مذهب جديد، وينغلق هذا النسق الاجتهادي المفتوح لصالح هذا النسق التقليدي المنغلق، حتى يأتي مجدد بعد جيلين أو ثلاثة لينادي بفتح هذه الأنساق كما كانت مرة أخرى. وهكذا الحال في شأن المذاهب الفكرية والفلسفية. فمن المشهور عن «ماركس» عندما رأى متطرفي الماركسية الفرنسيين، قال: لو كان ما أنتم عليه هو الماركسية، فإذا أنا لست ماركسيًا!


وهكذا الحال في شأن التنظيمات بل أسوأ. فالمؤسس لفكرة الجماعة التي ستصبح تنظيمًا بعد ذلك لا ينتمي على الحقيقة إلا للفكرة. أما التنظيم فذلك يأتي بعد انغلاق النسق الفكري والإبداعي. ومن المشهور عن الشيخ «حسن البنا»-رحمه الله- إحساسه بالندم الشديد عند رؤيته لبعض الممارسات التنظيمية للتنظيم الخاص قبل موته، وإدراكه أو استشرافه لمستقبل هذه الممارسة.


وكذلك المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين الأستاذ «حسن الهضيبي» -رحمه الله- حيث أتى من خارج الجماعة، تقريبًا، ليضبط الفكرة لا ليحافظ على التنظيم، بل لا نبالغ في القول إذا قلنا أنه جاء ليحل التنظيم لصالح الفكرة وهكذا فعل على الحقيقة؛ بإصداره لقرار حل التنظيم الخاص، الذي كان له الأثر الحاسم في استهداف الجماعة الأولى وتصفيتها.


اتهم بسببه من غلاة التنظيمية أنه ماسوني مدسوس على الجماعة، حيث كانت فكرة (الفكرة= الجماعة= التنظيم= الأمة!) تبلورت بالفعل داخل التنظيم، معلنة بدء انغلاق النسق وقيام التنظيم!


رافقت جميع محاولات الإحياء التالية للجماعة غلبة الحس التنظيمي، وتراجع الحس الاجتهادي بحيث أصبحت القيادات المتنفذة دائمًا من النخب ذات التخصصات العلمية والهندسية والقانونية والإدارية، وهي أكثر قطاعات المجتمع المسلم -الاستعماري وما بعد الاستعماري- تأثرًا بمركزية نموذج البنى الهرمية المنضبطة! بحيث تصبح المُسَلمة الأولى غير القابلة للمناقشة أو النقد هي جدوى وجود التنظيم ذاته.


أو بصياغة أخرى هل ثمة طريقة للحصول على نتيجة منظمة دون تشكيل تنظيم ذي بنية هرمية صلبة؟ وهل من الممكن أن يكون حل التنظيم هو أفضل وسيلة للحصول على الغرض الذي أُنشئ من أجله التنظيم ذاته؟ (كما كانت نية «البنا» رحمه الله، وكما فعل «حسن الهضيبي» بالفعل).


وحتى لا يكثر الخرص أو التخمين حول معنى حل التنظيم هنا، فبدون مواربة في الحديث، أعني بحل التنظيم هو إعادة النظر إلى جميع الأفراد المنتمين للتنظيم على أساس كونهم أفرادًا مكلفين من قبل الخالق، وليس من قبل لجنة عليا داخل التنظيم. ومن ثم إعادة تشكيل مناهجهم التعليمية، والمهارية، وتكليفاتهم الشرعية الكفائية والعينية مرة أخرى طبقًا لهذا الأساس الجديد.


لا يستثنى من ذلك أحدٌ سواء من القيادات أو القواعد، وإعادة توزيعهم طبقًا لهذا المبدأ لا غير، كأفراد مكلفين من الأمة، لا مجرد قواعد تنظيمية محاسبة من قبل قياداتها وفقط، بحيث تصبح هذه المجموعات المرنة بمثابة أذرع نجم البحر الشهير.


أي أنها تحمل جميع الكفاءات اللازمة للإبداع والعمل، دون حاجة للقيادة المركزية المقيدة للعمل والحركة، وذات تكامل حقيقي في المهارات، وتكامل في الاهتمام بقضايا الأمة بعيدًا عن حجة الانضواء لتنظيم عالمي قائم على الفهم المتكامل للإسلام، المعطلة للطاقات الفردية! حيث تعطينا الأمثلة التاريخية لهذه الحجة نموذجًا للطاقة السلبية المعطلة للتنظيم تجاه أفراده كالتالي:-


1. النظرة المحلية القطرية لقضية الجهاد – سواء الجهاد الأفغاني أو البوسنة والهرسك، أو الجهاد السوري… إلخ: فالعذر في ذلك كله مبني على حجة أنه بما أني أنتمي لتنظيم لديه رؤية شمولية ومتكاملة للإسلام، وبما أن هذا التنظيم له فروع في جميع أنحاء العالم، وبما أن العمل المؤسسي يستلزم الثقة في القيادات وعدم تحصيل أي خلفية معرفية، أو مهارية غير لازمة لوظيفتي داخل التنظيم؛ إذن، فالحرج الشرعي ساقط في حقي.


(أعلن «محمد حامد أبو النصر» مرشد الإخوان المسلمين -رحمه الله- إبان الجهاد الأفغاني، أن الجماعة لن ترسل مجاهدين إلى أفعانستان إلا لو أمر بهذا ولي الأمر! وهو رئيس الجمهورية!)[1]2. النظرة المركزية لتحصيل العلمي الشرعي:


بما أن الجماعة لديها هيئات شرعية مركزية؛ إذن ليس من المطلوب تكليف جميع القواعد بالتحصيل العلمي. إذن ستظل جميع القواعد تابعة للهيئة المركزية الشرعية للتنظيم! ويكمن تتبع جميع التكليفات بنفس الطريقة السابقة.


ويمكنني صياغة هذه المعضلة -معضلة التنظيم- بلغة خبراء الشبكات الاجتماعية كالتالي:

التنظيمات ليست فعالة في زيادة قدرة أعضائها على القيام بواجبات الأمة -كما تزعم لنفسها-، لكنها فعالة في زيادة المشاركة في الانخراط في صفوفها، لأنها تخفض مستوى التكليفات الفردية الربانية لأعضائها!.

آيسين – تويوتا مرة أخرى!

إن الاختلاف الجوهري بين النموذجين، التنظيم الهرمي، والشبكي المرن، هو أن الهياكل الهرمية تتجاوب تجاوبًا ضعيفًا مع الغموض والفشل، وإن كانت تُعد بِنىً رائعة لممارسة الضبط. حيث يمثل الضبط السمة المركزية للنظم البيروقراطية والتنظيمات الهرمية الصلبة على حد سواء، في مقابل المرونة الفائقة للشبكات الأفقية المرنة للتعامل مع المفاجآت والغموض والفشل العارض.


المعضلة الكبرى في المسألة هي شبكة توزيع المعلومات وصناعة القرار. ففي الوقت الذي تتميز به الهياكل الهرمية بأنها شبكة توزيع عالية الكفاءة (صورة إصدار التعليمات والأوامر)؛ لكنها ضعيفة جدًا في حالة المفاجآت حيث يحدث ما يشبه باختناق معلوماتي عند قمة الهرم التنظيمي بما يزيد عن قدرته على معالجة المعلومات أو اتخاذ القرار المناسب، مع عجز الأطراف التنظيمية عن اتخاذ أي قرار مع أي موقف مفاجئ للغياب التام للمهارات الإبداعية اللازمة لذلك.


فإذا أردنا العودة بنتائج مثال «آيسين – تويوتا» على حالة التيارات الإسلامية؛ فالتنظيمات الإسلامية ذات البنية الهرمية الصلبة لديها فعالية هائلة في المهام التقليدية، مثل الفوز بالانتخابات أو الحشد لقضية أو موقف سياسي مؤيدًا كان أو معارضًا، لكنها تفشل فشلًا مثيرًا للدهشة -ولدهشتها هي نفسها- إذا ما واجهت أي شيء طارئ أو مفاجئ.


على سبيل المثال توفر جبهة جهادية خارج مخططات التنظيم، أو انهيار نظام سياسي قبل الموعد المقرر داخل أدبيات الجماعة، أو انقلاب عسكري من أصدقاء الأمس! إن الدرس المستفاد من تجربة «تويوتا – آيسين» -ولا فارق كبير بين بنية الشركات والتنظيمات- هو أن هناك صورة مختلفة، سواء على مستوى الهيكل، أو مستوى تكوين الفرد، حيث يستطيع القيام بدوره التقليدي؛ مع قدرته على التعامل مع الطارئ والمفاجئ.


وليس الحل فيما يطلق عليه بعض قيادات التنظيم الحالية بـ«إعادة الهيكلة»، فهذا أحد صور إعادة تشكيل التنظيم لكن بوجوه جديدة مع بقاء العيوب البنيوية القاتلة. الحل المقترح هو حل التنظيم وإعادة توزيع مهامه الأساسية على الأفراد، لا بكونهم أفرادًا داخل التنظيم، ولكن كمرحلة انتقالية لحالة نجم البحر!


[1]حرب 1948م هي الحالة الاستثنائية الوحيدة لهذه النظرة؛ وإن كانت ختمت بهذه النظرة!

الحكومة تراقب المخالفات بالأقمار الصناعية

 الحكومة المصرية تراقب المخالفات بالأقمار الصناعية

كشف مساعد وزيرة التخطيط لشؤون التحول الرقمي أشرف عبد الحفيظ، أن الحكومة افتتحت مؤخرا مركز رصد لمخالفات البناء بـ "الأقمار الصناعية".

وأضاف خلال لقائه عبر قناة " دي إم سي" الفضائية، اليوم الاثنين، أن هذا المركز يقوم بالتصوير عن طريق الأقمار الصناعية لتتعرف من خلاله أجهزة الدولة على المتغيرات التي تحدث في أرض الواقع.

وأشار عبد الحفيظ، إلى أن هذا المركز يتابع المشروعات التي تتم ويتم معرفة حجم المحاصيل الزراعية التي يزرعها الفلاحون في المحافظات.

وتابع أنه خلال عام ونصف تم رصد 320 ألف متغير مكاني، ويتم التواصل مع المحافظات لمعرفة ما هو قانوني منها وما هو مخالف.

 وأوضح مساعد وزيرة التخطيط أن "هذا المركز يقوم أيضا برسم كل منشأة على خريطة مصر، وهذا يصب في بناء منظومة تخطيط متكاملة حتى نستطيع توجيه مشروعات التنمية واستثمارات الدولة في مسار صحيح".

المصدر: وسائل إعلام مصرية

الإمارات تلغي اللقاء مع إسرائيل والولايات المتحدة بسبب تصريحات نتنياهو

 وسائل إعلام: الإمارات تلغي اللقاء مع إسرائيل والولايات المتحدة بسبب تصريحات نتنياهو

قالت وسائل إعلام إسرائيلية إن الإمارات ألغت اللقاء المرتقب مع الولايات المتحدة وإسرائيل بسبب تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن صفقة المقاتلات "إف 35".

وأفاد موقع "والا" الإسرائيلي نقلا عن مصادره، اليوم الاثنين، بأن سبب الإلغاء هو عدم رضا أبو ظبي عن معارضة نتنياهو العلنية لصفقة "إف-35" مع واشنطن.

وأشار أحد المصادر للموقع إلى أن كبار المسؤولين الإماراتيين قرروا إلغاء الاجتماع لإرسال رسالة إلى إسرائيل بأنهم يشعرون بخيبة أمل من تصريحات نتنياهو بشأن بيع مقاتلات "إف-35"، علاوة على أنه ينوي معارضة صفقة السلاح عندما يتعلق الأمر بالكونغرس الأمريكي.





وأضاف المصدر أنهم أدركوا في الأسابيع الأخيرة أنه حتى لو فضل نتنياهو عدم تنفيذ صفقة الطائرات، فلن يعارضها علنا. لذلك عندما عبر رئيس الوزراء عن معارضته علنا، شعرت الإمارات أنه يتصرف بما يتعارض مع روح الاتصالات بين الطرفين.

وحسب المصدر، فإن رسالة أبوظبي مفادها أنه لن تكون هناك اجتماعات سياسية عامة بين البلدين حتى يتضح موقف إسرائيل من صفقة الطائرات.

وكان من المقرر أن يكون الاجتماع الثلاثي رسميا وعاما، لكن ممثلي الإمارات أبلغوا السفيرة الأمريكية والبيت الأبيض بأن الاجتماع قد أُلغي حتى إشعار آخر.

المصدر: وسائل إعلام إسرائيلية

بعد اعتداء جديد للشرطة الأمريكية على مواطن أسمر الأضطرابات تضرب مدينة كينوشا الأمريكية بولاية ويسكونسين،

 


اقتحمت مجموعة متظاهرين، ليل الأحد إلى الاثنين، المحكمة الدائرية في مدينة كينوشا الأمريكية بولاية ويسكونسين، خلال اضطرابات تلت حادثا جديدا لإطلاق الشرطة النار على رجل أسمر البشرة.

وذكرت صحيفة "كينوشا نيوس" المحلية أن "مقر المحكمة سيكون مغلقا الاثنين أمام الجمهور بسبب الأضرار التي تم إلحاقها بالمبنى أثناء الاضطرابات العامة" التي شهدتها المدينة.

وأفادت الصحيفة بأن "المتظاهرين اقتحموا مساء الأحد مقر المحكمة كما أضرموا النار في عدة سيارات خارج المبنى".

وأعلنت السلطات المحلية نظام حظر التجول حتى الساعة 07:00 صباحا بسبب الاحتجاجات وأعمال الشغب المندلعة في كينوشا عقب إصابة المواطن من أصول إفريقية، جيكوب بليك، البالغ 29 عاما، برصاص عناصر شرطة في ظهره يوم الأحد، وتم نقله إلى المستشفى وهو في حالة حرجة.

ونقلت قناة "ABC" عن صديقة لبليك أن الحادث وقع خلال محاولته الفصل بين سيدتين بعد نشوب مشاجرة بينهما، مضيفة أنه لم يكن يحمل أي سلاح.

وتعليقا على هذه التطورات، قال حاكم ويسكونسين، توني إيفرز، إن "هذه المرة ليست الأولى عندما يصاب أو يقتل أمريكي من ذوي البشرة السوداء نتيجة تصرفات عناصر أجهزة الأمن".

وشهدت الولايات المتحدة مؤخرا احتجاجات وأعمال شغب واسعة النطاق فجرها مقتل المواطن الأسمر، جورج فلويد، على يد عناصر في شرطة مدينة مينيابوليس أثناء عملية احتجازه يوم 25 مايو.

وعمت المظاهرات ضد العنصرية وعنف قوات الأمن، عشرات المدن الأمريكية وسط خلافات حادة بين إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والحكام ورؤساء البلديات الديمقراطيين حول أسلوب التعامل مع الاحتجاجات، التي امتدت لاحقا إلى كثير من الدول الغربية.

المصدر: "كينوشا نيوز" + وكالات

معركة الأخوان والأحزاب فى تونس

 

الأحدث

​انتحار الأيديولوجيا: كيف تحولت أحزاب مصر التاريخية إلى "ديكور" في قطار الائتلاف المستأنس؟

​..... ​بينما يئن الشارع المصري تحت وطأة ضغوط اقتصادية طاحنة غير مسبوقة، تُعيد المشاهد البرلمانية والسياسية الحالية طرح التساؤل ...