حتى لايشارك النواب فى جريمة مجتمعية
قانون الأسرة وأسباب التدهور الاجتماعي
.
مقدمة:
لا يُقاس نجاح القوانين بكثرة نصوصها أو شدة عقوباتها، بل بمدى قدرتها على الحفاظ على تماسك النسيج الاجتماعي. إن ما يشهده المجتمع اليوم من تدهور في معدلات الاستقرار الأسري، وزيادة مرعبة في نسب الطلاق، والجريمة، والانتحار، والانهيار النفسي لملايين الأفراد، يتطلب وقفة لمراجعة "فلسفة التشريع" والاعتراف بالأسباب الجذرية للأزمة.
أولاً: فخ "إسهال القوانين" وتجريف الأخلاق
إن محاولة تقنين كل تفاصيل العلاقة الإنسانية داخل البيت الواحد حولت الأسرة من "وحدة مودة" إلى "ساحة تقاضي". إن هذا التضخم التشريعي أدى إلى:
عسكرة العلاقات: تحول الزوجان إلى خصمين يتربص كل منهما بالآخر قانونياً، واستبدال "الوازع الأخلاقي" بـ "الرادع القانوني".
إلغاء مساحات الإصلاح: صار القانون سلاحاً يُشهر في لحظات الغضب بدلاً من الانتظار لتدخل أهل الصلح، مما يقطع "جسور العودة" ويحول الخلافات البسيطة إلى فراق محتوم في أروقة المحاكم.
ثانياً: العودة إلى "الهداية الربانية" (المنهج الفطري)
يجب أن تستند التعديلات القانونية إلى المفاهيم القرآنية التي جعلها الله "كتالوجاً" أصلياً للإنسان:
مبدأ "اللباس": (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)؛ الذي يفرض الستر والوقاية والجمال. إن أي قانون يشجع على كشف الأسرار وتراشق التهم في المحاكم هو قانون يمزق هذا الستر.
مبدأ "المودة والرحمة": وهما قانونان فطريان وضعهما الله في النفس البشرية، ولا يمكن لأي نص قانوني جاف أن يعوض غيابهما.
مبدأ "الفضل": (ولا تنسوا الفضل بينكم)؛ فالقانون الوضعي يبحث عن "الحق الجاف"، بينما المجتمع يحتاج إلى "الفضل" والتسامح لاستمرار الحياة.
ثالثاً: الفقر والمسؤولية الاقتصادية للدولة
إن تحميل الأفراد مسؤولية انهيار الأسرة بمعزل عن الواقع الاقتصادي هو ظلم بين. فالفقر ليس مجرد نقص في المال، بل هو ضغط عصبي يدمر المناعة النفسية ويقود للإدمان والجريمة:
ذنب الفقر: عندما يعجز رب الأسرة عن توفير أدنى متطلبات الكرامة، ينفد الصبر وتنهار المودة. الدولة التي تسن القوانين هي المطالبة أولاً بتوفير الأمان المعيشي.
المرض النفسي: إن وصول عدد المرضى النفسيين إلى أرقام مليونية هو نتيجة مباشرة للضغط الاقتصادي وفقدان السند الاجتماعي الذي دمرته القوانين الصدامية.
رابعاً: التوصيات الختامية للمشرعين
إعطاء الأولوية القصوى لمجالس الصلح: تفعيل دور الحكماء وكبار العائلات قانونياً، ومنع اللجوء للتقاضي إلا بعد استنفاد حقيقي لسبل الصلح العرفي.
كف يد القانون عن التفاصيل الدقيقة: تقليل التدخل في شؤون الأسرة التي يمكن حلها بالمودة والستر.
ربط التشريع بالواقع المعيشي: لا يمكن مطالبة الناس بالاستقرار في ظل غلاء فاحش وبطالة؛ فالأمان الاقتصادي هو حجر الزاوية للأمان الأسري.
خاتمة (الواقع المرير):
إن الدولة التي تكتفي بوضع القوانين الزاجرة في ظل ظروف اقتصادية طاحنة، هي كمن "يربط يد المواطن ويقيده، ثم يلقيه في بحر المتطلبات ويطالبه بأن يعبر للبر الآخر دون أن يغرق". إن السلم المجتمعي لا يتحقق بكثرة المحاضر، بل بإحياء الضمير وصون كرامة العيش والعودة إلى "فطرة الله التي فطر الناس عليها".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق